لم يذهبوا إلي صناديق الإستفتاءات المزورة للإدلاء بشهادة هي ضد المجتمع ولصالح الحاكم , ولم يدعوا الناس لذلك .
ولكن هناك علماء بالدين أرادوا لأنفسهم أن يكونوا رجاله وأن يكون الدين مطية لهم يمتطوها حيثما شاؤا وأينما أرادوا , حتي أصبح الدين حرفة من لاحرفة له , وعلم من لاعلم له , وصنعة لمن أرادوا لأنفسهم الراحة والدعة علي حساب الناس , فكان الدين سبباً من أسباب المغانم , وتجارة رابحة تدوم بلا إنقطاع وتصب خيراتها في حجور من جعلوا من أنفسهم رجاله .
وإذا كان هذا هو الحال مع الأفراد , فهاهو نفس الحال مع الأنظمة والحكومات , فجعلت الحكومات له وزارات تتبعها هيئات ومؤسسات , وكأن الإيمان لابد له من رقباء ويتحتم علي صيانته وجود الأوصياء , وكأن الناس في فهم الإيمان مازالوا قاصرين , وعن تفهمهم له مازالوا معتوهين أو سفهاء , ومن يخالف دين الدولة يصبح من المجانين , فكانت القاعدة الأزلية أن الناس علي دين ملوكهم وأمرائهم , أوسلاطينهم و رؤسائهم , ومن خالفهم في الدين توجبت عليه اللعنة , وفرضت عليه القتلة , فكان إما أن يعيش ذليلاً مهاناً كسيراً , أو يموت مكبوتاً محسوراً , فلا ينطق بما يعتقد من إيمان لأن إيمانه يخالف إيمان الحاكم ومحكوميه , ولايمكن أن تكون له عادات أو تقاليد ظاهرة , لأن ظاهرها باانسبة له يكون كالعار والشنار , فإما أن يدين بدين الملك أو الرئيس أو السلطان أو الأمير , وإما أن يكون من المخالفين الخارجين عن الإيمان , ويصبح من الهالكين الذين هم في نهاية الأمر من الكافرين .
ولما تعددت الأديان فكان أن تعدد معها ألوان التكفير , وتعددت أسباب التلعين وتناكر أتباع الإيمان بالأديان , وتكاثرت أشكال التمايز والإختلاف بداية من المعرفة بالخالق ونهاية بالزي والشكل والسمت فكانت أماكن العبادة مختلفة , وزي رجال الدين مختلف , وأتباع كل دين لهم شارات وعلامات , حتي وصلت مظاهر التدين إلي المنازل والبيوتات , وأماكن العمل ووسائل المواصلات , وياليت الأمر يقف عند أمر الأديان والإيمان المتعلق بها , وإنما تعلق الأمر بأتباع الدين الواحد , فأصبح الدين الواحد ينقسم إلي عدة أديان موزعة بين الإيمان الذي عرفه رجال دين الفرق والمذاهب والملل والنحل داخل كل دين , حتي أصبح هناك رجال دين لكل مذهب وطريقة فكان أن تزايد الإختلاف وتكاثر التنافر وتعددت الإيمانات , وكأن الدين الواحد أصبح يحتوي عدة أديان بداخله , وتحول الأمر الديني والإيماني إلي فوضي دينية وفوضي إيمانية , وهذا تلحظه في الفضائيات والإذاعات والصحف والجرائد والمجلات , حيث يوجد رجال دين لهم آراء وأفكار وتصورات تخالف الآخرين ليس من أتباع الدين الآخر , ولكن من داخل أنصار وأتباع الدين الواحد , ولما لا ؟!!
فالدين أصبح له مدارس ومعاهد عليا وجامعات تدرس فرقه ومذاهبه , بل وتدرس مقارنة الأديان وتجري صراعاً بين محاسن دين في مسألة ومساوئه في مسائل أخري علي أسس من إمتلاك الحقيقة المطلقة , وأدوات الإجابات الجاهزة لكل المسائل التي تطرح والتي سيتم طرحها في المستقبل , وتم التزاوج بين الدين والعلم , والدين والطب , والدين والكيمياء , والدين والفيزياء , والدين والفلك , بل والدين والحضارة بكافة معانيها , تمهيداً للوصول إلي الدين والسياسة , حيث يكون الوصول إلي الدولة الدينية أمراً ميسوراً ليتم تشكيل الحكومة الدينية , وتنبني جميع الأمور علي قاعدة الوصاية الدينية في الحلال والحرام , وتسهيل طرائق الجنة , وتصعيب طرائق النار في المراقبة لقلوب الناس والتفتيش في ضمائرهم والبحث في نواياهم حتي يستكمل المصلحة السياسية والدنيوية حلقاتها وتسقط دائماً أشجار التفاح ثمارها في حجور أصحاب المصلحة الذين هم في الغالب الأعم رجال السلطة المحتمين بتفسيرات وتبريرات رجال الدين في التأسيس للحرام والحلال والجنة والنار وإستبعادهم لمصالح الناس المسلوبة أو المؤجلة للآخرة حيث يكون يوم الحساب !!
ومع ذلك تستمر الوصايات إنتظاراً ليوم الحساب , وتبقي في النهاية سلطة مرفوعة علي رقاب الناس تبدأ بالأمر بإتباع الحلال وتنتهي بالإمتناع عن المحرمات , وتنتهي بقتل المخالف للأمر والنهي وتتكرر المأساة , أو كما قال فولتير : إن الذى يقول لك اليوم لا تفعل هذا وإلاَّ لعنك الله ، سوف يقول لك غداً لا تفعل هذا وإلا قتلتك !!
والقتل دائماً ليس بسبب مخالفة الدين , ولكن بسبب تنازع المصلحة , وفي هذه الحالة لايختلف القتل , سواء كان من رجال الدين أو من رجال السلطة المحتمين بتفسيرات وأراء وتصورات رجال الدين !!
